محمد جواد مغنية
488
في ظلال نهج البلاغة
الحرام ، كما قال في مكان آخر : ولا زهد كالزهد في الحرام ( وقوه باليقين ) وهو أن تعبد اللَّه كأنك تراه ، وتؤمن بالآخرة كأنك فيها . . وأول ما ينشأ هذا اليقين من التفكير في خلق السماوات والأرض ، أو من التربية والبيئة ، ثم ينمو ويقوى بالعمل على مقتضاه ( ونوره بالحكمة ) فإنها ضالة المؤمن . ( وذلله بذكر الموت ، وقرره بالفناء ) . لأن نسيان الموت والفناء يؤدي إلى العمى والطغيان . . بل أدى ببعض الغافلين إلى ادعاء الربوبية ، كالذي قال لإبراهيم الخليل ( ع ) : « أنا أحيي وأميت » وذهل انه عما قريب ينزل إلى قبره جثة هامدة ( وبصره فجائع الدنيا إلخ ) . . تكرر هذا مرارا فيما سبق ، ويتلخص بأن على العاقل أن لا يغتر بالدنيا وسلطانها وزينتها ومالها ، فالأوائل أصابوا الكثير من لذاتها ، ثم فارقتهم وفارقوها ( فأصلح مثواك ) بادخار الحسنات لوقت الحاجة وإلا لحقتك الحسرة والندامة . ( ولا تبع آخرتك بدنياك ) . عليك أن تستهين بالنفع العاجل إن كانت مغبته إلى سوء ، والتبعة عليه قاسية وشديدة ، فإن خير الأمور ما أمنت من عاقبته ، ومن هنا يصح القول : إن أعلم الناس أعلمهم بالعواقب ، وأعقلهم من نظر إليها ، وعمل بموجبها ( ودع القول فيما لا تعرف ) . أبدا لا فرق بين من يحارب بلا سلاح ، ومن يتكلم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير . . أما حرية التعبير عن الرأي فهي مضمونة لأهل العلم والرأي لا لمن يهرف بما لا يعرف ، ويبادر إلى الكلام على ما خطر في قلبه من غير تأمل وتفكير . . حتى العالم يكون سكوته أبلغ وأفضل من كلامه في بعض الأحيان . وتكلمنا عن ذلك في ج 2 شرح الخطبة 70 فقرة : السكوت . ( والخطاب فيما لم تكلف ) إذا كان غيرك المسؤول فدع التطفل والفضول حتى ولو كنت أهلا للإجابة ، وأعلم ممن سئل . . وكيف بك إذا قال لك السائل : ما إياك سألت ، أو قال لك المسؤول : ما إياك أعني . ( وامسك عن طريق إذا خفت ضلاله إلخ ) . . لا تدخل في شيء إذا كنت منه على شك ، واستشعر الخشية من المجهول ، ولا تقل أو تفعل إلا مع اليقين بإصابة الموضع ، فإن أخطأت ، والحال هذه ، كنت على عذرك عند اللَّه والناس . . وعلى أية حال إن لم يكن من شيء تكسبه في إحجامك فليس ثمة ما تخسره .